ابن كثير
331
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 154 إلى 155 ] ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 154 ) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 155 ) قال ابن جرير : ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تقديره ثم قل يا محمد مخبرا عنا بأنا آتينا موسى الكتاب ، بدلالة قوله قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ قلت : وفي هذا نظر ، وثم هاهنا إنما هي لعطف الخبر بعد الخبر لا للترتيب هاهنا كما قال الشاعر : [ الخفيف ] قل لمن ساد ثم ساد أبوه * ثم قد ساد قبل ذلك جده « 1 » وهاهنا لما أخبر اللّه سبحانه عن القرآن بقوله وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ عطف بمدح التوراة ورسولها ، فقال : ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ، وكثيرا ما يقرن سبحانه بين ذكر القرآن والتوراة ، كقوله تعالى : وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا [ الأحقاف : 12 ] وقوله أول هذه السورة قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً [ الأنعام : 91 ] الآية ، وبعدها وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ الآية . وقال تعالى مخبرا عن المشركين فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى قال تعالى : أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ [ الأنعام : 92 ] وقال تعالى مخبرا عن الجن أنهم قالوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ [ القصص : 48 ] الآية ، وقوله تعالى : تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا أي آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تماما كاملا جامعا ، لما يحتاج إليه في شريعته كقوله وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ الأعراف : 145 ] الآية ، وقوله تعالى : عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ أي جزاء على إحسانه في العمل وقيامه بأوامرنا وطاعتنا كقوله هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [ الرحمن : 60 ] وكقوله وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [ البقرة : 124 ] وكقوله وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ [ السجدة : 24 ] . وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ يقول أحسن فيما أعطاه اللّه . وقال قتادة من أحسن في الدنيا تمم له ذلك في الآخرة ، واختار ابن جرير أن تقديره ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً على إحسانه فكأنه جعل الذي مصدرية كما قيل في قوله تعالى : وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا [ التوبة : 69 ] أي كخوضهم وقال ابن رواحة :
--> ( 1 ) الرواية المشهورة : « إنّ من ساد . . . إلخ » . والبيت لأبي نواس في ديوانه 1 / 355 ، وخزانة الأدب 11 / 37 ، والدرر 6 / 93 ، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص 364 ، ورصف المباني ص 174 ، ومغني اللبيب 1 / 117 .